عبد الوهاب الشعراني
365
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
وروى الترمذي وقال حسن صحيح مرفوعا : « إتّق اللّه حيثما كنت وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها ، وخالق النّاس بخلق حسن » . وروى الإمام أحمد ورواته ثقات : « أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقول اللّهمّ كما حسّنت خلقي فأحسن خلقي » . وروى الطبراني والبزار : « أنّ أمّ حبيبة قالت يا رسول اللّه : المرأة يكون لها زوجان ثمّ تموت فتدخل الجنّة هي وزوجاها لأيّهما تكون للأوّل أو الآخر ؟ قال تخيّر أحسنهما خلقا كان معها في الدّنيا يكون معها في الجنّة ، يا أمّ حبيبة ذهب حسن الخلق بخير الدّنيا والآخرة » . وروى أبو يعلى والبزار من طرق أحدها حسن مرفوعا : « إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم ، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق » ، وفي رواية : « إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم » . والأحاديث في ذلك كثيرة ، واللّه تعالى أعلم . [ ترويض النفس على مراقبة اللّه تعالى : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نروض نفوسنا على مراقبة اللّه عز وجل حتى نرفق بخلق اللّه ونتأنى في تحصيل ما نطلبه ونحلم على من خالفنا وعصانا وآذانا ، وهذا العهد من أكمل أخلاق الرجال وقليل فاعله ، ومن تخلق به ذوقا لم يصر عنده غلظة ولا فظاظة لا على من أمره اللّه بالإغلاظ عليهم كالكفار ، وكذلك من تخلق به لم يتكدر ممن أبطأ في قضاء الحاجة أبدا لأن الرسول لم يبطأ بها وإنما أبطأ بها وقتها المضروب لها في علم اللّه ، وكذلك من تخلق به لا يقابل أحدا آذاه بنظير فعله أبدا ، ولو أن جاريته رمت ولده في نار فمات لم يقابلها ولا بكلمة تغيظها ، بل ربما أعتقها تماما للحلم . وكان سيدي إبراهيم المتبولي يعامل الجماد معاملة الحي ، فيضع الإناء برفق ويأخذه برفق ، ويذبح الطائر برفق وينشر الخشب برفق ، ويصعد على ظهر الدابة برفق ، ويهمز إذا نزل عنها برفق لأجل الأرض ويقول : إن الأرض أمنا . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى سلوك على يد شيخ ناصح يصبر معه على المجاهدة والرياضة حتى يدخله حضرات الأسماء الإلهية ، فينصبغ في حضرة الرحيم والحليم والصبور ، ويصير لا يتكلف لرفق ولا حلم ولا صبر كما لا يتكلف لدخول النفس وخروجه من خياشيمه ، ومن لم يسلك فمن لازمه الإخلال بهذا العهد ويدرك في نفسه مشقة وتعبا . فاسلك يا أخي على يد الشيخ إن أردت العمل بهذا العهد ، واللّه يتولى هداك . وروى الشيخان مرفوعا : « إنّ اللّه رفيق يحبّ الرّفق في الأمر كلّه » . وفي رواية لمسلم مرفوعا : « إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه ولا ينزع من شيء إلّا شانه » .